محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
17
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
فإذا فهم هذا علم أن اختيار اللّه له ومراده منه خير له من اختياره لنفسه ومراده لها . وقد روى أن اللّه تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه : أنزلت بعبدي بلائي فدعاني ، فما طلته بالإجابة فشكاني ، فقلت : عبدي كيف أرحمك من شيء به أرحمك . وفي حديث أبي هريرة « 1 » رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : قال اللّه تبارك وتعالى : إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عوّاد أنشطته من عقالي ، وأبدلته لحما خيرا من لحمه ، ودما خيرا من دمه ، ويستأنف العمل » « 2 » . وروى عن سعيد المقبري قال : سمعت أبا هريرة رضي اللّه عنه يقول : قال اللّه تبارك وتعالى : « إني أبتلي عبدي المؤمن ، فإذا لم يشكني إلى عوّاده حللت عنه عقدي ، وبدّلته لحما خيرا من لحمه ، ودما خيرا من دمه ، ثم قلت له : استأنف العمل » « 3 » . قال أبو عبد اللّه محمد بن علي الترمذي « 4 » رضي اللّه عنه : « ولقد مرضت في سالف أيامي مرضة ، فلما شفاني اللّه تعالى منها مثّلت في نفسي ما دبر اللّه تعالى من هذه العلة في مقدار هذه المدة وبين عبادة الثقلين في قدر أيام علتي ، فقلت : لو خيرت بين هذه العلة وبين أن تكون لي عبادة الثقلين في مقدار مدتها إلى أيهما يميل اختياري ؟ فصحّ عزمي ، ودام يقيني ، ووقفت بصيرتي أن مختار اللّه تعالى أكثر شرفا ، وأعظم خطرا ، وأنفع عاقبة ، وهي العلّة التي دبرها لي ولا شوب فيه إذ كان فعله ، فشتان بين فعله بك لتنجو به وبين فعلك لتنجو به ، فلما رأيت ذلك دقّ في عيني عبادة الثقلين في مقدار تلك المدة في جنب ما أتاني ، فصارت العلة عندي نعمة ، وصارت النعمة منّة وصارت المّنة أملا ، وصار الأمل عطفا ، فقلت في نفسي : بهذا كانوا يستمرون في البلاء على طيب النفوس مع الحق لهذا الذي انكشف كانوا يفرحون بالبلاء » انتهى . فهذه هي وجهة التعرف التي فتحها اللّه تعالى له ، وحصلت له الغبطة بها ، وآثرها
--> ( 1 ) أبو هريرة : عبد الرحمن بن صخر الدوسي ( 21 ق ه 59 ه / 602 ه - 679 م ) صحابي يتيم . أسلم سنة ( 7 ه ) ، ولازم النبي صلى اللّه عليه وسلم فروى عنه ( 5374 ) حديثا . ولي إمرة المدينة ثم البحرين . ( الرسالة القشيرية ص 101 ، والأعلام 3 / 308 ، وحلية الأولياء 1 / 376 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( إجارة ، 16 ) ، ( طب ، 39 ) وأبو داود ( بيوع ، 37 ) ، ( طب ، 19 ) ، وأحمد بن حنبل ( 4 ، 367 ، 5 ، 211 ) . ( 3 ) أخرجه الدارمي ( مقدمة ، 1 ) . ( 4 ) محمد بن علي بن الحسن بن بشر أبو عبد اللّه ، الحكيم الترمذي ( توفي نحو 320 ه / 932 م ) باحث ، صوفي ، عالم بالحديث وأصول الدين من أهل « ترمذ » نفي منها بسبب تصنيفه كتابا خالف فيه ما عليه أهلها . له من الكتب « نوادر الأصول في أحاديث الرسول » و « الفروق » وغيرهما . ( الأعلام 6 / 272 ، وكشف الظنون 2 / 938 ، والرسالة القشيرية ص 400 ) .